تضع التوترات المتجددة بين مصر وإثيوبيا الصين أمام معضلة متزايدة، إذ تهدد المواجهة بين اثنين من أهم شركائها في أفريقيا مصالح استراتيجية لبكين على جانبي النيل، بحسب الكاتبة جويس كرم. ومع تبادل القاهرة وأديس أبابا إجراءات طرد دبلوماسيين، وعودة الخلافات حول مياه النيل والأمن الإقليمي والوصول إلى البحر الأحمر، تواجه الصين ضغوطًا متزايدة للحفاظ على علاقاتها مع البلدين.

 

ويتناول تحليل نشره موقع «المونيتور» تداعيات التصعيد المصري الإثيوبي على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لبكين في المنطقة. ويركز التقرير على الاستثمارات الصينية في مصر وإثيوبيا، وموقف الصين من أزمة سد النهضة، وتأثير أي اضطراب إقليمي أوسع في مبادرة الحزام والطريق وحركة التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

 

عمقت الصين خلال السنوات الماضية شبكة مصالحها في مصر وإثيوبيا، بداية من البنية التحتية والتجارة وصولًا إلى الأمن والدبلوماسية، وأصبحت شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا في القرن الأفريقي وضمن شبكة مبادرة الحزام والطريق. وفي الوقت نفسه، حاولت بكين الحفاظ على توازن دقيق في منطقة تشهد صراعات وتنافسات إقليمية متصاعدة، لكن التصعيد الأخير بين القاهرة وأديس أبابا يجعل هذا التوازن أكثر صعوبة.

 

 

تصعيد مصري إثيوبي يضع بكين أمام معضلة

 

بلغت جولة التصعيد الأخيرة ذروتها الأسبوع الماضي، عندما طردت إثيوبيا دبلوماسيًا مصريًا، فردت القاهرة بإعلان أحد مستشاري السفارة الإثيوبية شخصًا غير مرغوب فيه. وجاءت الخطوتان في ظل تصعيد إقليمي أوسع، بعدما اتهمت أديس أبابا مصر وإريتريا والسودان الشهر الماضي بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيجراي، وهي اتهامات نفتها الدول الثلاث.

 

واستضافت مصر في 4 أكتوبر قمة رباعية جمعت إريتريا والسودان والصومال، وشدد قادة الدول المشاركة على احترام السيادة والسلامة الإقليمية. كما أكدوا أن مسؤولية أمن البحر الأحمر ينبغي أن تقع بصورة أساسية على عاتق الدول المطلة عليه، ورفضوا الإجراءات الأحادية التي تؤثر في الحقوق المائية القائمة لدول حوض النيل الواقعة في المصب.

 

ويتركز الخلاف المصري الإثيوبي تاريخيًا حول قضيتين رئيسيتين، هما الوصول إلى البحر الأحمر وإدارة وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الكبير. وتخشى القاهرة أن يؤدي التشغيل الأحادي للسد، خصوصًا خلال فترات الجفاف، إلى تهديد إمدادات المياه في مصر التي تعتمد بصورة أساسية على نهر النيل، بينما ترى إثيوبيا أن المشروع يمثل عنصرًا أساسيًا لتوليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية.

 

ولا تنظر الصين إلى هذا الخلاف باعتباره أزمة دبلوماسية بعيدة عن مصالحها، إذ ترتبط القاهرة وأديس أبابا بعلاقات اقتصادية واستراتيجية واسعة مع بكين. ولذلك، فإن أي تصعيد طويل الأمد قد يجبر الصين على التعامل مع مصالح متعارضة لدى شريكين مهمين في القارة الأفريقية.

 

وتأتي أهمية مصر بالنسبة إلى الصين من اتساع العلاقات بين البلدين خلال العقد الأخير، إذ زار رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي الصين ثماني مرات منذ توليه الرئاسة عام 2014. كما وسعت الشركات الصينية حضورها الصناعي داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بالتزامن مع نمو التعاون في مجالات الأمن والتكنولوجيا.

 

وقال مسؤولون مصريون في سبتمبر إن نحو 3366 شركة صينية تعمل في مصر في قطاعات تشمل المنسوجات والطاقة الشمسية والكيماويات وصناعة السيارات والخدمات اللوجستية. وبلغ حجم التجارة الثنائية 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة نسبتها 21.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

 

وخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في سبتمبر، تعهد البلدان بتوسيع التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والتصنيع والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية والاقتصاد الرقمي. وتكشف هذه المجالات عن عمق المصالح الصينية في الاقتصاد المصري، خصوصًا مع ارتباط القاهرة بممرات التجارة الدولية عبر قناة السويس والبحر الأحمر.

 

 

إثيوبيا شريك استراتيجي للصين

 

لا تقل إثيوبيا أهمية عن مصر بالنسبة إلى بكين، إذ زار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الصين أربع مرات منذ عام 2018، بينما وصف البلدان علاقاتهما عام 2023 بأنها «شراكة استراتيجية في جميع الظروف». وامتدت هذه الشراكة إلى قطاعات البنية التحتية والنقل والطاقة والتجارة، ما جعل إثيوبيا جزءًا مهمًا من الحضور الصيني في القرن الأفريقي.

 

وبين عامي 2010 و2018، شيدت شركات صينية خط السكك الحديدية الذي يربط أديس أبابا بجيبوتي بطول 752 كيلومترًا، إلى جانب طريق أديس أبابا-أداما السريع ومجمعات صناعية رئيسية وجسور ومشروعات للاتصالات. كما تتصدر الشركات الصينية المملوكة للدولة قائمة المتنافسين على عقود إنشاء مطار بيشوفْتو الدولي الجديد، الذي تقدر تكلفته بنحو 12.5 مليار دولار، وفق ما نقلته رويترز.

 

وتمنح هذه المشروعات الصين مصالح مباشرة في استقرار إثيوبيا وممراتها التجارية، لأن شبكة النقل التي بنتها الشركات الصينية تربط المراكز الصناعية الإثيوبية بميناء جيبوتي. ومن هناك، ترتبط التجارة الإثيوبية بخطوط الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل أي اضطراب إقليمي تهديدًا محتملًا لشبكة لوجستية واسعة ترتبط بمصالح بكين.

 

وعلى مدار السنوات الماضية، تجنبت الصين الانحياز العلني إلى أحد طرفي أزمة سد النهضة، وحاولت الحفاظ على موقف متوازن بين القاهرة وأديس أبابا. لكن زيارة شي جين بينغ الأخيرة إلى مصر شهدت اقتراب الموقف الصيني من اللغة التي تستخدمها القاهرة في الدفاع عن حقوقها المائية.

 

وجاء في البيان المشترك بين الصين ومصر أن بكين أقرت بأن نهر النيل يمثل «شريان الحياة الرئيسي» لمصر، كما أكدت حق القاهرة في حماية أمنها المائي والغذائي. ودعا البلدان دول حوض النيل إلى احترام القانون الدولي ومبدأ عدم إلحاق الضرر بالدول الأخرى.

 

ولم يذكر البيان إثيوبيا بالاسم، كما لم يوجه اعتراضًا مباشرًا إلى سد النهضة، لكنه دعم مبادئ لطالما استندت إليها مصر في مطالبتها بوضع قواعد ملزمة تحكم تشغيل السد. كذلك أكدت القاهرة وبكين أن إدارة البحر الأحمر وأمنه ينبغي أن يبقيا بصورة أساسية في أيدي الدول المطلة عليه، وهي مسألة حساسة بالنسبة إلى إثيوبيا غير الساحلية التي كثفت مساعيها للحصول على وصول موثوق إلى البحر.

 

وبذلك، تجد الصين نفسها أمام توازن دقيق، لأن أي تقارب أكبر مع مصر قد يثير مخاوف إثيوبيا، بينما قد يؤدي تجاهل المطالب المصرية إلى الإضرار بعلاقة استراتيجية توسعت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية. وتزداد صعوبة هذا التوازن مع ارتباط مصالح الصين الاقتصادية والأمنية في البلدين بممرات التجارة الإقليمية.

 

 

ماذا تخسر الصين إذا اتسع الصراع؟

 

تتجاوز المخاطر بالنسبة إلى الصين حدود الخلاف الدبلوماسي بين القاهرة وأديس أبابا، إذ قد يؤدي تجدد القتال في شمال إثيوبيا إلى زعزعة الاستقرار في إقليم تيجراي والمناطق المحيطة به، وربما يدفع دولًا مجاورة إلى الانخراط بصورة أكبر في الصراع. وقد اختبرت الصين بالفعل التداعيات التجارية والأمنية للحرب السابقة في تيجراي، عندما أجلت مئات المواطنين الصينيين العاملين في مشروعات بالمنطقة عام 2020.

 

كما تعتمد استراتيجية الحزام والطريق الصينية في القرن الأفريقي بدرجة كبيرة على الترابط الإقليمي، إذ تربط السكك الحديدية التي شيدتها الصين بين أديس أبابا وجيبوتي المراكز الصناعية الإثيوبية بالموانئ. ويتيح هذا المسار الوصول إلى طرق الشحن في البحر الأحمر وقناة السويس، ولذلك قد يؤدي اتساع أي صراع إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف النقل والأمن وزيادة المخاطر أمام الاستثمارات الجديدة.

 

ويرى كاميرون هدسون، الباحث البارز في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن التطورات الحالية تضيق هامش الخيارات أمام بكين. وقال في مقابلة إن الصين توفر قدرًا من القدرة على التنبؤ في تعاملاتها، لكنها تبحث في المقابل عن الاستقرار، ولذلك تخلق الخلافات بين شركائها بيئة تشغيل صعبة.

 

وتواجه بكين، وفق هذا السياق، مهمة شديدة الحساسية، إذ يتعين عليها دعم الاستقرار الإقليمي والدفع نحو الوساطة، مع تعزيز علاقاتها بالقاهرة دون إبعاد إثيوبيا. لكن قدرة الصين على لعب دور الوسيط في القرن الأفريقي تظل محدودة مقارنة بقدرتها على إدارة العلاقات الثنائية مع شركائها.

 

وأوضح هدسون أن الدبلوماسية الصينية لا تقوم عادة على الوساطة في النزاعات الإقليمية، إذ تكمن قوتها بصورة أكبر في إدارة العلاقات الثنائية. وأضاف أن بكين لم تتميز تاريخيًا بالقدر نفسه في إدارة المصالح المتنافسة بين دول المنطقة.

 

وفي ظل هذه القيود، يتوقع هدسون أن تتبنى بكين في المرحلة الحالية سياسة الانتظار والترقب، بحيث تراقب تطورات الأزمة قبل إعادة الانخراط بصورة أكبر عندما تهدأ التوترات. ويرى أن الصين قد تفضل تعليق تحركاتها مؤقتًا، بينما تترك لواشنطن مساحة أكبر لتحمل العبء الدبلوماسي.


لكن المشكلة أن الولايات المتحدة لا تقود في الوقت الراهن جهود وساطة نشطة بين مصر وإثيوبيا، ما يعني أن المساحة المتاحة لبكين للمراقبة والانتظار قد تصبح أكثر تعقيدًا إذا اتسع التصعيد. وفي حال استمرار التوتر حول النيل والبحر الأحمر والأمن الإقليمي، قد تجد الصين نفسها مضطرة إلى الموازنة بين شراكتين لا تستطيع تحمل خسارة أي منهما.

 

وتكشف الأزمة المصرية الإثيوبية المتجددة عن مفارقة واضحة في الاستراتيجية الصينية، إذ وسعت بكين نفوذها الاقتصادي في البلدين من خلال الاستثمارات والبنية التحتية والتجارة، لكنها تجد نفسها الآن أمام خلاف إقليمي يمس مصالحها مباشرة. وكلما تصاعد التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، ازدادت صعوبة الحفاظ على سياسة التوازن التي اتبعتها الصين خلال السنوات الماضية.

 

لذلك، لا تتعلق المشكلة بالنسبة إلى بكين بمن ينتصر في الخلاف المصري الإثيوبي، وإنما بكيفية حماية شبكة واسعة من المصالح الممتدة من نهر النيل إلى البحر الأحمر، ومن الموانئ إلى خطوط السكك الحديدية ومشروعات البنية التحتية. وفي الوقت الذي تعتمد فيه استراتيجية الحزام والطريق على الترابط والاستقرار، قد يجعل اتساع التوتر الإقليمي هذا الترابط نفسه مصدرًا لمخاطر جديدة على الاستثمارات الصينية وممرات التجارة التي بنتها بكين خلال السنوات الماضية.

 

https://www.al-monitor.com/originals/2026/10/why-renewed-egypt-ethiopia-tensions-are-problem-china